القرطبي

390

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأبو ثور : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا ، وغلبوا لفظ الآية . وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد ، وغلبوا نقص الرق ، وأجازها الشعبي والنخعي في الشئ اليسير . والصحيح قول الجمهور ، لان الله تعالى قال : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين " وساق الخطاب إلى قوله " من رجالكم " فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون ، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة . فإن قالوا : إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها . قيل لهم : هذا يخصه قوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " على ما يأتي بيانه . وقوله " من رجالكم " دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة ، لكن إذا علم يقينا ، مثل ما روى عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : " ترى هذه الشمس فاشهد على مثلها أودع " . وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به ، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطئ . نعم يجوز له وطئ امرأته إذا عرف صوتها ، لان الاقدام على الوطئ جائز بغلبة الظن ، فلو زفت إليه امرأة وقيل : هذه امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها ، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول . ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه ، لان سبيل الشهادة اليقين ، وفى غيرها يجوز استعمال غالب الظن ، ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف : إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى ، ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه . فهذا مذهب هؤلاء . والذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمل بصيرا لا وجه له ، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض ، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت ، لأنه رأى الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين ، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور والألوان . وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير . قلت : مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت . قال ابن قاسم : قلت لمالك : فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه ،